صوت البحر
Fri/Oct/2006, 01:00 AM
أرجو ألا تبتل مدامعكم بعد قراءة القصة ...
*
*
*
أدعكم مع الأحداث
*
*
لم تكن أحلام الفتى خالد أدنى من النجوم رغم أنه يعيش في قرية نائية تختزل في أرضها عبق الأجداد
وتفوح في جنباتها روائح الزهور التي لم تختلط بعوادم السيارات الكثيرة كما هو الحال في المدينة الصاخبة
وكانت وفاة أبيه وأمه في صغره نقطة هامة في حياته فالطفل الذي لم يبلغ الثامنة من عمره كان يشاهد
مراسم الدفن بعد وفاة والديه في حادث أليم على طريق المدينة وكان لايعلم إلى أين يذهبان ولطالما سأل
جدته أين أمي وأبي ؟ فتتلعثم الإجابة على شفاه جدته وتبكي وتحتضنه وتقول بصوت متهدج : سيعودان ياحبيبي
كان قبل كل غروب يذهب إلى تل في مدخل القرية ينتظر الآيبين من المدينة يفتش في الوجوه ... عله يرى
والديه ... ولكن الوجوه كانت غريبة والليل موحش فيخاف من الظلام ويعود ناكسا رأسه لا يلوي على شئ
غير أن جدته كانت أما بعد أمه فكانت تهتم بشؤونه ولاتترك شيئا يحبه إلا أحضرته له ..فلم يشعر بغربة
الروح كثيرا في ظل جدته وإن كان يفتقد ابتسامة أمه الجميلة ومزاح أبيه معه إذا عاد من عمله .. واصطحابه
له إلى المسجد كل صلاة .. حتى أنه ذات مرة وبينما سمع أذان الفجر أقام جدته وقال لها سأذهب للصلاة في
المسجد قالت : لا ياخالد فالظلام دامس صل هنا ياحبيبي .. فقال : لو أن أبي هنا صحبني معه .. فأسرتها
العجوز في نفسها وانقلبت على شقها الآخر وبكت بلا صوت حتى بللت وسادتها ..
لم يفقد خالد شيئا من تفوقه في المدرسة بفضل الله ثم بفضل جدته بل كان يحصد النجاح في كل عام بامتياز
وبدأ ذلك الطفل يكبر ويكبر معه السؤال عن والديه ... حتى وصل عمره ستة عشر عاما أخبرته جدته بحقيقة
الغياب وأن العودة محالة .. وكانت دموعه تترقرق في عينيه .. إلا أنه بسم في وجه جدته واحتضنها وقال : أمي
قالت : نعم أنا أمك وأبوك وجدتك .. وأنت كل شئ لي في هذه الدنيا .. كان خالد بارا بجدته حنونا عطوفا بها
وكلما كبر كانت جدته تعلق مصابيح الفرح على أبواب السعادة .. وبعد أن أنهى خالد دراسته الثانوية بامتياز
ومن الأوائل على مستوى الدولة .. اختارته وزارة التربية والتعليم لاتمام دراسته في الخارج لنيل شهادة الطب
وبدأت هنا مشكلة أخرى .. فكان يتسائل : هذا حلمي أن أصبح طبيبا ولكن جدتي من يعتني بها إذا سافرت ؟
كان يبث همومه لصديقه صالح ... وكان صالح يهدئ من روعه ويقول ألا تثق بصديقك سأكون إلى جانبها
لاتفرط في فرصة حياتك وسنكون على اتصال بك دائم ونخبرك بأحوالها .. كان صالح يزيل كثيرا من هموم
خالد إلا أنه لايجلو حزن فراقه عن جدته ... وأخبر صالح جدة خالد بأنهم اختاروه ليكمل دراسته بالخارج
فاطلقت الزغاريد في أرجاء المنزل .. وحمدت الله وبكت فرحا ... وقالت : أخيرا ياخالد .. أخيرا
ستصبح طبيبا .. وستعود بإذن الله إلى القرية لتعالج أهلها .. ولم يبد الفرح على وجه خالد بل ظهر
الشحوب والحزن وقال لها : جدتي تعلمين الثمن لذلك ؟ سأتركك .. سأفتقدك ........ آه ياجدتي دنيا ..
لا أستطيع أن أتخيل العيش بدونك ... فقالت له : كلها سنوات قليلة .. اذهب هذا رجاء مني أنا إذا كنت
تحب جدتك دنيا .. وارتحل خالد عن القرية مودعا بورود تسفح على خدودها دموع جدته ... وكان يبتسم
لها ويغلي من داخله ... ولم يقطع نظراته عنها حتى غابت الحافلة عن القرية ..
خيم صمت غريب على منزل الجدة دنيا ... كل شئ ممل ... حتى هي التي كانت تشجعه بالأمس
بدأت تعض أصابع الندم على قرارها الجريء .. ووصل خالد إلى الخارج واستقر هناك وبعث بخطاب
إلى جدته وصل إلى بريد صالح صديقه الذي جاء مهرولا إلى منزل الجدة فوجدها صامتة وصاح جدتي
رساله من خالد ... ولم تتمالك الجدة نفسها من الفرح وخطفته من يد صالح وفتحته وكأنها لاتفتش عن ورقة
بل عن خالد نفسه أو أنها كانت تتخيل أن خالد سيخرج من الظرف يبسم لها ... وقلبت الرسالة وكانت
لاتجيد القراءة فأعطتها صالح وقالت : اقرأ اقرأ بسرعه ياولدي ... وكانت كل كلمة تسمعها تتخيل
وجه خالد وشفاهه تنطق بها ... حتى إذا فرغ من القراءة .. أسبلت دمعات واحتضنت الورقة وطلبت
من صالح أن يرد عليه .. فهي من شفقتها على خالد لاتريده يشعر بالخوف عليها ... وكتب صالح
رسالة يطمئن خالدا على جدته .... كانت الغربة صعبة والأيام تمضي ثقيلة على خالد ....
هاهو الآن في السنة النهائية ... اقترب الحصاد .. وبينما هو يترقب ساعات الفرحة بالتخرج ...
كانت الجدة تعاني من مرض القلب ... الذي يتناوب عليها .. لكنها كانت توصي صالح بألا يخبر
خالدا عن مرضها ... اليوم يوم النتائج ... يذهب خالد إلى جامعته ويستقبله زملاؤه وزميلاته مهنئين
مبروك ياخالد أنت الأول على الدفعة ... كاد خالد أن يطير من الفرحة وتمنى في هذه اللحظة أن يطير
إلى جدته ليقبل رأسها ... وكانت صورتها تتراءى له ... فيحلق في خياله بعيدا عن أجواء الفرح
إلى ذكريات السنين وصبر الجدة وتعبها معه ... حان وقت العودة .. غدا موعد الرحلة ...
آه ما أثقل الساعات .. لماذا لاتمر سريعة؟؟!! هذا حال خالد ... أما الجدة فقد زاد عليها المرض
ونقلت إلى مستشفى المدينة لتنوم في العناية المركزة ... حيث كان صالح يدعو الله أن يشفيها
صالح ذلك الصديق الصدوق الذي لم يفارق صالة المستشفى حتى أشرقت الشمس ...
عاد خالد محملا بالهدايا لجدته .. مبروزا شهادة الطب ... تارة يحملها وتارة يضعها على مقعد
السيارة ... هناك شئ واحد في مخيلته أن يقبل يدي جدته ويهديها الشهادة ليقول أنت صاحبتها
ولما شارف خالد على القرية رأى جمعا من الناس عند منزلهم فاعتقد للوهلة الأولى أنهم جمهور
المستقبلين المحتفين بأول طبيب في القرية ... إلا أن الوجوه تعلوها كدرة .. والبكاء يعلو صوته
فنزل من السيارة مسرعا نحو باب البيت وشهادته في يده يحملها ... وإذا به يرى نعشا محمولا
فيقول له احدهم : البقاء لله عظم الله أجرك في وفاة جدتك ... وأخرى تصيح : آه يادنيا .....
سقطت الشهادة على الأرض واقترب من النعش المحمول وكان يحاول منعهم في أخذها للقبر
ويبكي ويصرخ جدتي جدتي ... فأمسكوا به واستمروا في السير ... وكانت لحظة الفراق ...
أشبه بلحظته قبل خمس سنوات مضت .. إلا أن ذلك الفراق كان مرجو العودة ... وكانت
عينا جدته تبرقان له بالفرح .. أما هذا فإن عينيها لا تشاهد وجه خالد وعيني خالد تغرقان في دموع
الحزن والمرارة ... والفراق الذي لاترجى بعده العوده .
http://moseqar2002.jeeran.com/top10.gif
*
*
*
أدعكم مع الأحداث
*
*
لم تكن أحلام الفتى خالد أدنى من النجوم رغم أنه يعيش في قرية نائية تختزل في أرضها عبق الأجداد
وتفوح في جنباتها روائح الزهور التي لم تختلط بعوادم السيارات الكثيرة كما هو الحال في المدينة الصاخبة
وكانت وفاة أبيه وأمه في صغره نقطة هامة في حياته فالطفل الذي لم يبلغ الثامنة من عمره كان يشاهد
مراسم الدفن بعد وفاة والديه في حادث أليم على طريق المدينة وكان لايعلم إلى أين يذهبان ولطالما سأل
جدته أين أمي وأبي ؟ فتتلعثم الإجابة على شفاه جدته وتبكي وتحتضنه وتقول بصوت متهدج : سيعودان ياحبيبي
كان قبل كل غروب يذهب إلى تل في مدخل القرية ينتظر الآيبين من المدينة يفتش في الوجوه ... عله يرى
والديه ... ولكن الوجوه كانت غريبة والليل موحش فيخاف من الظلام ويعود ناكسا رأسه لا يلوي على شئ
غير أن جدته كانت أما بعد أمه فكانت تهتم بشؤونه ولاتترك شيئا يحبه إلا أحضرته له ..فلم يشعر بغربة
الروح كثيرا في ظل جدته وإن كان يفتقد ابتسامة أمه الجميلة ومزاح أبيه معه إذا عاد من عمله .. واصطحابه
له إلى المسجد كل صلاة .. حتى أنه ذات مرة وبينما سمع أذان الفجر أقام جدته وقال لها سأذهب للصلاة في
المسجد قالت : لا ياخالد فالظلام دامس صل هنا ياحبيبي .. فقال : لو أن أبي هنا صحبني معه .. فأسرتها
العجوز في نفسها وانقلبت على شقها الآخر وبكت بلا صوت حتى بللت وسادتها ..
لم يفقد خالد شيئا من تفوقه في المدرسة بفضل الله ثم بفضل جدته بل كان يحصد النجاح في كل عام بامتياز
وبدأ ذلك الطفل يكبر ويكبر معه السؤال عن والديه ... حتى وصل عمره ستة عشر عاما أخبرته جدته بحقيقة
الغياب وأن العودة محالة .. وكانت دموعه تترقرق في عينيه .. إلا أنه بسم في وجه جدته واحتضنها وقال : أمي
قالت : نعم أنا أمك وأبوك وجدتك .. وأنت كل شئ لي في هذه الدنيا .. كان خالد بارا بجدته حنونا عطوفا بها
وكلما كبر كانت جدته تعلق مصابيح الفرح على أبواب السعادة .. وبعد أن أنهى خالد دراسته الثانوية بامتياز
ومن الأوائل على مستوى الدولة .. اختارته وزارة التربية والتعليم لاتمام دراسته في الخارج لنيل شهادة الطب
وبدأت هنا مشكلة أخرى .. فكان يتسائل : هذا حلمي أن أصبح طبيبا ولكن جدتي من يعتني بها إذا سافرت ؟
كان يبث همومه لصديقه صالح ... وكان صالح يهدئ من روعه ويقول ألا تثق بصديقك سأكون إلى جانبها
لاتفرط في فرصة حياتك وسنكون على اتصال بك دائم ونخبرك بأحوالها .. كان صالح يزيل كثيرا من هموم
خالد إلا أنه لايجلو حزن فراقه عن جدته ... وأخبر صالح جدة خالد بأنهم اختاروه ليكمل دراسته بالخارج
فاطلقت الزغاريد في أرجاء المنزل .. وحمدت الله وبكت فرحا ... وقالت : أخيرا ياخالد .. أخيرا
ستصبح طبيبا .. وستعود بإذن الله إلى القرية لتعالج أهلها .. ولم يبد الفرح على وجه خالد بل ظهر
الشحوب والحزن وقال لها : جدتي تعلمين الثمن لذلك ؟ سأتركك .. سأفتقدك ........ آه ياجدتي دنيا ..
لا أستطيع أن أتخيل العيش بدونك ... فقالت له : كلها سنوات قليلة .. اذهب هذا رجاء مني أنا إذا كنت
تحب جدتك دنيا .. وارتحل خالد عن القرية مودعا بورود تسفح على خدودها دموع جدته ... وكان يبتسم
لها ويغلي من داخله ... ولم يقطع نظراته عنها حتى غابت الحافلة عن القرية ..
خيم صمت غريب على منزل الجدة دنيا ... كل شئ ممل ... حتى هي التي كانت تشجعه بالأمس
بدأت تعض أصابع الندم على قرارها الجريء .. ووصل خالد إلى الخارج واستقر هناك وبعث بخطاب
إلى جدته وصل إلى بريد صالح صديقه الذي جاء مهرولا إلى منزل الجدة فوجدها صامتة وصاح جدتي
رساله من خالد ... ولم تتمالك الجدة نفسها من الفرح وخطفته من يد صالح وفتحته وكأنها لاتفتش عن ورقة
بل عن خالد نفسه أو أنها كانت تتخيل أن خالد سيخرج من الظرف يبسم لها ... وقلبت الرسالة وكانت
لاتجيد القراءة فأعطتها صالح وقالت : اقرأ اقرأ بسرعه ياولدي ... وكانت كل كلمة تسمعها تتخيل
وجه خالد وشفاهه تنطق بها ... حتى إذا فرغ من القراءة .. أسبلت دمعات واحتضنت الورقة وطلبت
من صالح أن يرد عليه .. فهي من شفقتها على خالد لاتريده يشعر بالخوف عليها ... وكتب صالح
رسالة يطمئن خالدا على جدته .... كانت الغربة صعبة والأيام تمضي ثقيلة على خالد ....
هاهو الآن في السنة النهائية ... اقترب الحصاد .. وبينما هو يترقب ساعات الفرحة بالتخرج ...
كانت الجدة تعاني من مرض القلب ... الذي يتناوب عليها .. لكنها كانت توصي صالح بألا يخبر
خالدا عن مرضها ... اليوم يوم النتائج ... يذهب خالد إلى جامعته ويستقبله زملاؤه وزميلاته مهنئين
مبروك ياخالد أنت الأول على الدفعة ... كاد خالد أن يطير من الفرحة وتمنى في هذه اللحظة أن يطير
إلى جدته ليقبل رأسها ... وكانت صورتها تتراءى له ... فيحلق في خياله بعيدا عن أجواء الفرح
إلى ذكريات السنين وصبر الجدة وتعبها معه ... حان وقت العودة .. غدا موعد الرحلة ...
آه ما أثقل الساعات .. لماذا لاتمر سريعة؟؟!! هذا حال خالد ... أما الجدة فقد زاد عليها المرض
ونقلت إلى مستشفى المدينة لتنوم في العناية المركزة ... حيث كان صالح يدعو الله أن يشفيها
صالح ذلك الصديق الصدوق الذي لم يفارق صالة المستشفى حتى أشرقت الشمس ...
عاد خالد محملا بالهدايا لجدته .. مبروزا شهادة الطب ... تارة يحملها وتارة يضعها على مقعد
السيارة ... هناك شئ واحد في مخيلته أن يقبل يدي جدته ويهديها الشهادة ليقول أنت صاحبتها
ولما شارف خالد على القرية رأى جمعا من الناس عند منزلهم فاعتقد للوهلة الأولى أنهم جمهور
المستقبلين المحتفين بأول طبيب في القرية ... إلا أن الوجوه تعلوها كدرة .. والبكاء يعلو صوته
فنزل من السيارة مسرعا نحو باب البيت وشهادته في يده يحملها ... وإذا به يرى نعشا محمولا
فيقول له احدهم : البقاء لله عظم الله أجرك في وفاة جدتك ... وأخرى تصيح : آه يادنيا .....
سقطت الشهادة على الأرض واقترب من النعش المحمول وكان يحاول منعهم في أخذها للقبر
ويبكي ويصرخ جدتي جدتي ... فأمسكوا به واستمروا في السير ... وكانت لحظة الفراق ...
أشبه بلحظته قبل خمس سنوات مضت .. إلا أن ذلك الفراق كان مرجو العودة ... وكانت
عينا جدته تبرقان له بالفرح .. أما هذا فإن عينيها لا تشاهد وجه خالد وعيني خالد تغرقان في دموع
الحزن والمرارة ... والفراق الذي لاترجى بعده العوده .
http://moseqar2002.jeeran.com/top10.gif